مالك بن الريب: حنين شاعر نجدي يرثي نفسه

هناك قصائد يكتبها الشعراء في الملوك، وأخرى في الحب، وقصائد يرثون بها صديقًا أو أخًا أو أبًا. لكن ماذا يقول الشاعر حين يدرك أن من يرثيه هذه المرة هو نفسه، وأنه يمضي بعيدًا عن أهله ودياره؟

قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وجد مالك بن الريب المازني التميمي نفسه أمام هذا السؤال. كان فارسًا وشاعرًا جريئًا، وتروي كتب التراجم أنه عاش فترة من شبابه فاتكًا يقطع الطريق، قبل أن تتغير وجهته ويخرج إلى خراسان مع سعيد بن عثمان بن عفان.

كان سعيد قد سمع بأخبار مالك، فلما لقيه عاتبه على ما كان يصنع، ودعاه إلى أن يترك تلك الحياة ويصحبه. وافق مالك، وترك حياة الصعلكة لينضم إلى الجيش ويشارك في القتال والفتوح. وقد عبّر عن هذا التحول في قوله:

ألم ترني بعتُ الضلالةَ بالهدى
وأصبحتُ في جيشِ ابنِ عفّانَ غازيًا

حمله الطريق بعيدًا عن دياره، لكنه لم يُعِده إليها. ففي خراسان أصابه المرض، وشعر بدنو أجله، فراح يرثي نفسه ويستعيد ما تركه وراءه. وفي أول القصيدة، حضرت الديار قبل أن يحضر الموت.

مشهد تخيلي بأسلوب الأنمي لحنين مالك بن الريب في غربته

تمنى ليلة واحدة عند الغضى، يعود فيها إلى ما ألفه من حياة، ويسوق إبله كما كان يفعل قديمًا:

ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً
بجنبِ الغَضى أُزجي القِلاصَ النواجيا

بعد كل ما قطعه من مسافات، صارت أمنيته أن يبيت ليلة قرب أرضه وأهله. ثم يتكرر اسم الغضى، وكأن ذكره يقرّب المكان البعيد:

فليتَ الغَضى لم يقطعِ الركبُ عرضَهُ
وليتَ الغَضى ماشى الركابَ لياليا

يتمنى لو أن المكان يستطيع السير مع القافلة، فلا يضطر إلى فراقه. ثم يعود إلى حقيقة المسافة التي تفصل بينه وبين من يحب:

لقد كان في أهلِ الغَضى لو دنا الغَضى
مزارٌ ولكنَّ الغَضى ليس دانيا

الأهل هناك، والديار باقية، لكنه لم يعد قادرًا على الوصول إليهما. ومن الحنين إلى المكان، ينتقل إلى ذكر ابنته وكلماتها عند رحيله:

تقولُ ابنتي لمّا رأت طولَ رحلتي
سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا
مشهد تخيلي بأسلوب الأنمي لوداع مالك بن الريب لابنته

كانت تخشى أن يطول سفره فلا يعود، وها هو يستعيد خوفها وهو بعيد عنها. وحين يتساءل عمّن سيبكيه في غربته، يستحضر سيفه ورمحه وفرسه، رفاق الطريق والقتال:

تذكّرتُ مَن يبكي عليَّ فلم أجدْ
سوى السيفِ والرمحِ الرُّدينيِّ باكيا
وأشقرَ محبوكٍ يجرُّ عِنانَهُ
إلى الماءِ لم يتركْ له الموتُ ساقيا

في صورة الفرس الذي بقي بلا ساقٍ حزن هادئ؛ فالشاعر يتخيل أثر غيابه حتى في رفيقه الذي اعتاد أن يقوده إلى الماء. أما أهله، الذين يتمنى قربهم في تلك اللحظة، فتفصل بينه وبينهم مسافة لا يملك قطعها.

ثم يلتفت إلى صاحبيه، ويوصيهما بما يفعلان بعد موته. يتحدث عن قبره وحمل جسده، ويطلب منهما أن يتمهلا عنده وألا يضيّقا عليه موضعه من الأرض:

ولا تَحسُداني باركَ اللهُ فيكما
من الأرضِ ذاتِ العرضِ أن تُوسعا ليا

الرجل الذي جاب الأرض لم يعد يطلب منها إلا موضعًا يسعه. وقسوة هذه الأبيات في أنه يصف دفنه وهو ما يزال حيًا، ويترك لصاحبيه وصايا يعرف أنه لن يكون قادرًا على قولها بعد قليل.

ولعل ما يجعل مرثيته قريبة من النفس أن الحزن فيها لا يقتصر على الموت. هناك أيضًا ألم البعد عن البيت، وعن الوجوه المألوفة، وعن حياة كان يظن أن بوسعه الرجوع إليها. لذلك يعود الغضى في القصيدة، وتعود معه صورة الأهل وذكرى الرحيل.

مات مالك بن الريب في خراسان، وبقيت قصيدته تُقرأ بعده بقرون. وما زالت أمنيته الصغيرة، ليلة واحدة عند الغضى، تصل إلى القارئ بكل ما فيها من شوق. لم يرجع إلى دياره، لكن ذكرها بقي حيًا في شعره، وبقي هو حاضرًا كلما قرأ أحد مرثيته.

التعليقات 0

شاركنا رأيك أو تجربتك مع الموضوع.

اترك تعليقاً