
رواية • بين صمت ونسيان
مقدمة
• • •
اسألْ طبيباً نفسياً عن أصعب شيء في مهنته، ستختلف الإجابة من طبيبٍ لآخر.. بعضهم سيقول: المريض الذي يكذب. وبعضهم سيقول: المريض الذي يؤمن بكذبه. وقليلٌ جداً، القليلُ الشجاع سيقول: اللحظة التي تدرك فيها أنك لا تختلف عن مرضاكَ بقدر ما كنتَ تظنّ.
اسألْ طبيباً نفسياً عن الذاكرة، ما هي، وكيف تعمل، ولماذا تخون أحياناً. سيشرح لك بلغةٍ علمية باردة: شبكاتٌ عصبية، واسترجاعٌ انتقائي، وآلياتٌ للحماية. سيقول لك إن الدماغ أحياناً يمحو ما لا يستطيع أن يحمله، لا قسوةً بل رحمةً من نوعٍ لا نفهمه. سيقول كل هذا بثقةٍ تُريحك. لكنّه لن يخبرك بالشيء الوحيد الذي يستحق أن يُقال: “أن الذاكرة ليست ما حدث لك، بل هي ما قرّرتَ، دون أن تدري، أن تحتفظ به.”
اسألْ طبيباً نفسياً عن الصمت، ليس الصمت الذي يختاره الإنسان حين يريد الراحة، بل الصمت الذي يأتي وحده، ببطء، كضيفٍ لم تدعُه ثم رفض أن يغادر. سيقول لك: صدمة، انسحاب، دفاعٌ نفسي. سيضع له اسماً لاتينياً ويضعه في خانةٍ في ملفٍّ يُحفظ في درج. لكنّه لن يخبرك أن بعض الناس يصمتون لأن الكلام جرّبوه طويلاً ولم يُجدِ، ولأن الصمت، في النهاية، كان الشيء الوحيد الذي لم يخذلهم.
الصمت ليس غياب الكلام.
والنسيان ليس غياب الذاكرة.
كلاهما حضورٌ، لكن بشكلٍ آخر.
وكلاهما يؤلم بطريقةٍ لا يصفها طبيبٌ في كتاب.
اسألْ طبيباً نفسياً عن الشفاء، متى يبدأ، وكيف يبدو، وهل يكتمل. سيقول لك: يختلف من شخصٍ لآخر. إجابةٌ صحيحة وفارغة في آنٍ واحد. ما لن يقوله "لأن العلم لا يملك له مقياساً" هو أن الشفاء أحياناً لا يبدو كالشفاء. يبدو كشخصٍ يدخل عليك في صباحٍ عادي، يجلس أمامك في صمت، ويرسم شيئاً يجعلك تشعر أن ثمّة شيئاً ما تذكّرتَه، لكنك لا تعرف ماذا. ولا من أين.
وأحياناً يبدو كطبيبةٍ تفتح ملفاً وتقرأ اسماً وترفع عينيها، وتدرك في تلك اللحظة أن ثمّة سؤالاً لم تسأله لنفسها بعد.
ثمّة شخصان.
أحدهما يتذكّر أكثر مما ينبغي.
والآخر… لا يتذكّر ما يكفي.
“وما يحدث حين يجلسان في غرفةٍ واحدة… ويصمتان معًا.”
اسألْ طبيباً نفسياً عن أي شيء
وسيجيبك عن كل شيء إلا عن نفسه.
لأن من اختار أن يفهم الآخرين
أحياناً نسي، أو تناسى
أن يفهم نفسه.
• • •
التعليقات 0
شاركنا رأيك أو تجربتك مع الموضوع.
اترك تعليقاً